توضيحات بشأن الختم البطريركي الكلداني



توضيحات بشأن الختم البطريركي الكلداني

كان الختم البطريركي الكلداني أداة نحاسية شائعة الاستخدام لدى أساقفة الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية لتصديق الوثائق الكنسية والدبلوماسية خلال عهد الإمبراطورية العثمانية. يحمل الختم نقشا يمثل العبارة التالية باللغة السريانية الشرقية: ’’محيلا مار شمعون، باطريركا دكلداييي‘‘ (أي المتواضع مار شمعون، بطريرك الكلدان). وتوضع أداة الختم مباشرة إما على شمع الختم أو على الحبر ثم تُضغَط على الوثيقة مما يؤدي إلى استنساخ العبارة المذكورة أعلاه.

وفي السنوات الأخيرة، أصبح الختم البطريركي موضع جدل كبير عند بعض المؤلفين الذين ادّعوا بأن الختم هو إشارة واضحة إلى أن اسم الكلدان آنذاك كان يحمل دلالات قومية لدى أساقفة كل من كنيسة المشرق (المسماة الكنيسة ’’النسطورية‘‘) والكنيسة الكاثوليكية المنفصلة عنها (المسماة بالكنيسة ’’الكلدانية‘‘ الكاثوليكية). وهذه الفكرة، مهما كانت مثيرة للجدل، فإنها تثير اعتراضات نظرا لوجود سرديات تاريخية متناقضة.

روايات القرن التاسع عشر
في كتاب ’’النساطرة وطقوسهم‘‘ (١٨٥٢) لجورج بيرسي بادجر، وهو مستشرق وباحث عمل كمندوب لدى مسيحيي كنيسة المشرق، يشير المؤلف إلى أنه ’’صحيح في الواقع أن مار شمعون الحالي (أي مار شمعون السابع عشر أوراهام، بطريرك كنيسة المشرق) يلقب نفسه في وثائقه الرسمية ’بطريرك المشرق‘ و ’بطريرك الكلدان‘‘‘. ومع ذلك [يؤكد بادجر]، استخدم مار شمعون وأسلافه هذا اللقب الأخير ’’لكي يضعوا أنفسهم على قدم المساواة مع أقرانهم من بطاركة السهول بعد أن انضموا إلى كنيسة روما وأخذوا تلك التسمية، وأيضا كحيلة لرفض اسم ’النساطرة‘ الذي بدأ يُنظَر إليه حينذاك على وجه الخصوص على أنه لقب ينطوي على تأنيب بسبب الافتراءات التي ألصقها المرسَلون اللاتين بهذه التسمية‘‘. وفي كتاب ’’نينوى وبقاياها‘‘ (١٨٥٠) الذي ألفه أوستن هنري لايارد، وهو عالم آثار انجليزي اشتهر بعمليات التنقيب البارزة التي أجراها في نينوى، يشير المؤلف إلى أن ’’الختم الذي يستخدمه مار شمعون يحمل اللقب ذاته (أي بطريرك الكلدان)، وهو اللقب الذي يطلقه البطريرك على نفسه في جميع الوثائق العامة‘‘. ويوضح لايارد أن التمييز عن تسمية النساطرة أصبح مهمًا ’’مع نجاح كرسي روما والكاثوليك إلى حد كبير في مساعيهم لترسيخ إطلاق تسمية الكلدان على المتحولين إلى المذهب الكاثوليكي‘‘، وإذ أصبحت تسمية النساطرة ’’عنوانا للازدراء والتأنيب‘‘ عند الحديث عن أولئك الذين احتفظوا بعقيدتهم القديمة. ومن الملفت للنظر أن نظير لايارد، هرمزد رسام، وهو نفسه كاثوليكي كلداني، لاحظ أن ’’هناك حقيقة أخرى مرتبطة بقومية الكلدان تضرب بجذورها عميقا لتُظهِر أن لهم الحق أن ينادوا بأصولهم الآشورية حالهم حال أي جماعة أخرى تفتخر بأصولٍ قديمةٍ‘‘.

شمعون، ’’بطريرك الكلدان‘‘
اتخذ العديد من أساقفة كنيسة المشرق، على مدى تاريخها الطويل، الاسم الموقَّر شمعون، الذي يكرم القديس بطرس، اسما بطريركيا لهم. وتعود أقدم إشارة إلى هذه التسمية إلى القرن الرابع الميلادي، إلى مار شمعون برصباعي، أسقف سلوقية-قطيسفون. ولم يحمل أي أسقف كاثوليكي هذا الاسم الموقَّر حتى الانشقاق الذي حدث عام 1552، حينما بدأ مار يوحنان سولاقا (’دبيت بلّو‘) وخلفاؤه من بعده يستخدمونه في محاولة لتأكيد شرعيتهم. وكان هذا هو السياق الذي حمل فيه البطاركة الكاثوليك المنحدرون من فرع مار سولاقا لقب Simeonem Chaldaeorum Patriarcham باللغة اللاتينية (الذي يعني حرفيا ’شمعون، بطريرك الكلدان‘) في وثائقهم الرسمية. وعلى الرغم من هذه التسميات الرسمية، تجدر الإشارة إلى أن البطاركة الكاثوليك المنحدرين من فرع مار سولاقا كانوا يحملون أيضا لقب Patriarchae Assyriorum باللاتينية (الذي يعني حرفيا ’بطريرك الأشوريين‘) والذي يترأس كنيسة Ecclesia Orientalis Assyrie باللاتينية (أي ’كنيسة آشور الشرقية‘). وقد يكون ذلك دليلا على أن أصل الختم البطريركي يعود إلى انشقاق عام 1552 واُستُخدِم لتمثيل الطائفة المُشكَّلة حديثا (أي الكلدان) مقابل طائفة النساطرة.

المحمية الكاثوليكية في الدولة العثمانية
في اتفاقٍ أُبرِم بين ملوك فرنسا والسلاطين العثمانيين، أنشأت الحكومة الفرنسية ’محمية كاثوليكية‘ خلال القرن السادس عشر، مما قدَّم خدمات هائلة للطوائف الكاثوليكية المنتشرة في جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية، بما فيها المتحولون من كنيسة المشرق. وكانت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أكبر مؤسسة رسمية تسعى إلى بسط نفوذها في المنطقة. وقد خدم وجودها غرضين؛ أولا، تحويل النساطرة إلى الكاثوليكية بأي طريقة كانت، بما في ذلك الرشوة والمعاملة التفضيلية لمعتنقي المذهب الكاثوليكي، كما اتضح من المعاملة السيئة نسبيا التي لقاها النساطرة واليعاقبة المحليون؛ وثانيا، كان المرسَلون الكاثوليك يسعون إلى تعزيز مصالح الإمبراطورية الفرنسية في المنطقة بُغية التصدي للنفوذ البريطاني المتنامي. وفي رد فعل غير ودي لبطريرك كنيسة المشرق، مار شمعون السابع عشر أوراهام، على محاولة رشوة ووعد بجعله رئيسا لجميع مسيحيي المشرق مقابل اعتناقه المذهب الكاثوليكي، قال البطريرك [لحامل الرسالة] ’’أَخبِر سيدك بأني لن أصبح أبدا كاثوليكيا‘‘. ومن اللافت للنظر أن مار شمعون هذا ذاته هو الذي كان يُلقِّب نفسه في ’’وثائقه الرسمية ’بطريرك المشرق‘ و ’بطريرك الكلدان‘‘‘.

تسمية ’’الكلدان‘‘
’’عندما نجح المرسَلون اللاتين في إحداث انشقاق فيما بين النساطرة في ديار بكر، أرادوا اختيار اسمٍ يطلقونه على المتحولين إلى الكاثوليكية. وهكذا فإنهم لاقوا صعوبة في هذا الأمر؛ فالمتحولون الجدد يطلقون على أنفسهم تسمية ’سورايي‘ و ’نسطوراي‘. ولم يكن في إمكان الكنيسة الرومانية أن تطلق عليهم تسمية ’السريان الكاثوليك‘ أو ’الكاثوليك السريان‘ لأنها استخدمت هذه التسمية للمتحولين من اليعاقبة الذين كانوا يُسمّون أنفسهم أيضا ’سريانًا‘. ولم يكن في وسع الكنيسة الرومانية أيضا أن تلقبهم ’النساطرة الكاثوليك‘ كما كان يفعل السيد جوستين بيركنز، المرسَل الأمريكي المستقل، لأن ذلك كان سينطوي على تناقض... ومما لا شك فيه أن الكلدان ينتمون إلى عائلة الآشوريين نفسها، وهؤلاء كانت تُطلَق عليهم أيضا تسمية السريان، وهي التسمية نفسها، مثلما رأينا، التي لا يزال يسمي بها أنفسهم كل من النساطرة القاطنون في الجبال، والكلدان الكاثوليك الساكنون في السهول، الذين يتكلمون السريانية العامة. لكن ليس هذا موضوع الخلاف؛ بل ما إذا كان مصطلح ’الكلدان‘ قد اُستُخدِم أو لا يزال يُستخدَم من قِبَل النساطرة أنفسهم أو غيرهم. وقد قَدمتُ أدلة بأنه ليس مُستخدَما. فهم يسمون أنفسهم سوراييه، ونسطوراييه، وأحيانا كريستيانيه، ومشيحاييه، لكنهم لم يستخدموا قط تسمية كلداييه أو كلداني‘‘. - جورج بيرسي بادجر ، النساطرة وطقوسهم (لندن: جوزيف ماسترز، 1852) ، 180.

استنتاج
في ضوء الأدلة المتاحة التي لا تقبل الجدل، يمكننا بأمان أن نتجرأ ونقول إنه يجب رفض البيانات المشحونة سياسيا التي تشير إلى أن أساقفة كنيسة المشرق استخدموا الختم البطريركي الكلداني لتأكيد هويتهم القومية الكلدانية. وعلاوة على ذلك، فإن بادجر، بعد أن قام بتحليل الطائفة السريانية الشرقية في شمال بلاد ما بين النهرين وتوثيقها بكثير من التفاصيل، يشرح أن هذا اللقب قد اُستُخدِم ’’كحيلة لرفض اسم ’النساطرة‘‘.


Learn More:
  1. (English) Click here to learn about the history and identity of the Chaldean Catholic Church.
  2. (Arabic) .انقر هنا للتعرف على تاريخ وهوية الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية
  3. (English/ Arabic) Historical Documents الوثائق التاريخية

Keywords:

Chaldaeorum, Chaldea, Chaldean, Chaldean Catholic Church, Chaldéenne, Chaldees, Kaldaya, Mandaeans, Sabeans, כשדים, الصابئة المندائيين, الكلدان, الكنيسة الكلدانية، اور الكلدانيين، Chaldean Identity, Chaldean League, Louis Raphaël I Sako, الاثوريون ,البطريرك لويس روفائيل ساكو, الرابطة الكلدانية, خلاصة تاريخ الكنيسة الكلدانية, الاثوريون, القوش, تل كيف, بخديدا, زاخو‎‎, عنكاوا‎‎, سرهد جمــّـو, Sarhad Jammo, المطران مار باسيليوس يلدو, المطران بشار ورده, Paulus Sati, بولس ساتي, Niaz Toma, الاب نياز توما

Popular Posts